الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

557

انوار الأصول

نعم هنا قسم من مباحث الأصول يقع النزاع فيه معنوياً ، وقد حكى « 1 » صاحب الحدائق عن المحدّث الشيخ عبد الله البحراني صاحب كتاب منية الممارسين : أنّ موارد الاختلاف في هذا القسم تنتهى إلى ثلاثة وأربعين مسألة ، ولكن الإنصاف أنّ هذا العدد ليس عدداً واقعياً ، فإنّ كثيراً ممّا عدّه من موارد الاختلاف هي من شقوق دليل العقل ، وتجمع تحت عنوان دليل العقل ، والصحيح أنّ العمدة من موارد النزاع بينهم هي أمور ثلاثة : أحدها : في عدد الأدلّة ، فإنّها عند الأصوليين أربعة : الكتاب والسنّة والإجماع ودليل العقل ، بينما هي عند الأخباريين الأوّلان خاصّة ، ولكن قد مرّ أنّ الإجماع الحجّة عند الأصوليين يرجع في الحقيقة إلى السنّة ، فهو ليس دليلًا برأسه ، وأمّا دليل العقل فالبديهيات العقليّة وهكذا العلوم العقليّة التي استمدّت قضاياها من الحسّ ، كالرياضيات فهي حجّة عند الجميع ، فتبقى النظريات غير المعتمدة على الحسّ ، فالأخباريون ذهبوا إلى عدم حجّيتها لما ظهر من الخطأ في تاريخ العلوم في هذا القسم من المدركات العقليّة ( وهو نفس ما استدلّ به المذاهب الحسّية والتجربية في الفلسفة الأوربية ) ولذلك قالوا بعدم حجّية ما يدركه العقل في مثل مسألة مقدّمة الواجب ومسألة الترتّب ومسألة أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه أو لا ؟ ومسألة اجتماع الأمر والنهي وغيرها من أشباهها . ثانيها : أصالة البراءة في الشبهات الحكميّة التحريميّة . ثالثها : حجّية ظواهر كتاب اللَّه ، فإنّ بعض الأخباريين ذهب إلى عدم حجّيتها إلّا بعد ضمّ تفسير الأئمّة المعصومين عليهم السلام إليها . فقد ظهر أنّ موارد الاختلاف بينهم قليلة ، والإنصاف أنّ هذا المقدار من الخلاف أمر قهري طبيعي قد يكون بين الأصوليين أنفسهم أيضاً ، فلا يوجب تشنيعاً ولا تكفيراً من جانب الأخباريين بالنسبة إلى الأصوليين أو بالعكس كما نبّه عنه المحدّث البحراني في المقدّمة الثانية عشرة ، فالجدير بالمقام نقل كلامه في هذا المجال ، وإليك نصّه في الحدائق : « وقد كنت في أوّل الأمر ممّن ينتصر لمذهب الأخباريين ، وقد أكثرت البحث فيه مع بعض المجتهدين من مشايخنا المعاصرين ، وأودعت كتابي الموسوم بالمسائل الشيرازية مقالة مبسوطة مشتملة

--> ( 1 ) الحدائق ، ج 1 ، ص 170 ، المقدّمة الثانية عشرة .